عبد السلام مقبل المجيدي
44
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
ولهذا التفريع فائدة منهجية بديعة فيما نحن بصدد جمع شتاته ، من حيث واقع وجود عالمين معروفين غير مرئيين من عوالم الغيب هما : عالم الملائكة ، وعالم الجن ، تتمثل في حمايته من أن يتطرق إليه الشك عندما يبلغه غير جبريل عليه السلام من الملائكة الوحي ، فيلقي الشيطان أنه ليس ملكا ، وحمايته من الشياطين أن يفكروا بالتلبيس عليه « 1 » . كما هو أيضا واسطته إلى غيب خارج ذلك : فعن أبي هريرة رضى اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ( أتاني جبريل عليه السلام فأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي ) « 2 » . وبناء على أن جبريل هو الوسيط بين اللّه ورسله : فهل كانت هيئات الوحي إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم كما كانت إلى الأنبياء السابقين على ما يظهر من قوله تعالى : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ " النساء / 163 " ؟ والجواب : لا ! فلا ريب في اشتراكهم في أصل الوحي ، أما ما بعد ذلك فليس عندنا ما يشير إلى الهيئات التفصيلية لوحي الأنبياء السابقين حتى تتم المقارنة ، ولا دليل في الآية على ترجيح أحد الأمرين إذ لو كانت تشبيها ، فإن التشبيه لا يقتضي أن يكون المشبّه مساويا للمشبّه به ، وإن كانت إخبارا فهل المراد التفصيل أو القبيل ؛ ولا دليل ثم على أحدهما ، وما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال ، وعلى ضوء هذا التقرير يفهم قول ابن حجر - رحمه اللّه تعالى - في شرح هذه الآية : " ولما كان في الآية أن الوحي إليه نظير الوحي إلى الأنبياء قبله ناسب تقديم ما يتعلق بها ، وهو صفة الوحي ، وصفة حامله إشارة إلى أن الوحي إلى الأنبياء لا تباين فيه " « 3 » .
--> ( 1 ) ونقل القاضي عياض الإجماع على عصمته صلى اللّه عليه وسلم في الشفاء 2 / 141 ، ولكن ذلك إجماع يفتقر إلى المستند ، فليكن ذا في طريق ذاك المستند . ( 2 ) المستدرك 3 / 77 ، مرجع سابق . ( 3 ) فتح الباري 1 / 5 ، مرجع سابق .